يمر المشهد الإعلامي المعاصر بتحول بنيوي عميق تجاوز فيه دوره الكلاسيكي المتمثل في نقل الخبر أو التوعية العامة، ليتحول إلى منظومة ترتكز في جوهرها على “تسليع القلق” وإعادة توجيه الوعي الجمعي نحو الصدمة والاستقطاب. إن الملاحظة المتكررة لتصدر وقائع الجريمة والحوادث المأساوية لشاشات المنصات وشبكات التواصل ليست صدفة تحريرية، بل هي نتاج استراتيجية محسوبة تحركها محفزات اقتصادية وخوارزمية دقيقة تستهدف استنزاف انتباه المتلقي.
1. المنظور الاقتصادي: اقتصاد الانتباه ونموذج الأعمال الرقمي
• تعظيم معدلات النقر (CTR): الأخبار المتوازنة أو التحليلات الهادئة لا تحفز الاستجابة الفورية، بينما تثير العناوين المشحونة بالصدمة والتهديد فضولاً ملحاً يرفع معدلات التفاعل والتداول أضعافاً مضاعفة.
• التحالف الخوارزمي مع الإثارة: تلتقط خوارزميات التوصية التفاعل العاطفي الشديد (الغضب، الخوف، الاستنكار) وتمنحه الأولوية في التغذية الإخبارية، ما يجعل نشر محتوى الجريمة السلوك الأكثر ربحية وتصدر المنصات.
• كفاءة التكلفة والإنتاج السريع: إنتاج محتوى استقصائي معمق أو تحليل مؤسسي اقتصادي يتطلب موارد مالية وبحثية ضخمة، في حين توفر التفاصيل الجنائية ومقاطع المراقبة مادة إعلامية جاهزة ومنخفضة التكلفة وعالية العائد التجاري.
2. المقارنة الهيكلية: صناعة الأثر الإعلامي
| المحور | إعلام الإثارة وتصيد الجريمة | الإعلام الرصين والتحليلي |
| المحرك الأساسي | تحفيز الخوف، الصدمة، وزيادة المشاهدات السريعة | التوعية، السياق البنيوي، وتقديم القيمة المعرفية |
| التكلفة التشغيلية | منخفضة جداً (إعادة تدوير المقاطع وتفاصيل المحاضر) | مرتفعة (استقصاء، تدقيق بيانات، كفاءات بحثية) |
| الأثر المجتمعي | تآكل الثقة، متلازمة العالم الشرير، واضطراب الأمان | بناء الوعي النقدي، الاستقرار، والمسؤولية المجتمعية |
| الاستجابة المستهدفة | تفاعل انفعالي غريزي وغير نقدي | فهم عقلاني واستيعاب للأسباب والحلول |
3. الأبعاد السلوكية والاجتماعية: هندسة الإدراك العام
1. استغلال “انحياز السلبية” الغريزي: يتجه الدماغ البشري فطرياً لرصد التهديدات بحثاً عن البقاء؛ هذا الاستعداد البيولوجي يُستغل بطريقة عكسية تجعل القارئ أسيراً لدورات تصفح قهرية لا تنتهي.
2. ترسيخ متلازمة العالم الشرير (Mean World Syndrome): إن التغذية البصرية المستمرة بالحوادث الفردية تخلق انطباعاً زائفاً بأن المجتمع على حافة الفوضى، مما يرفع منسوب الشك المتبادل ويقوض التماسل الاجتماعي.
3. إزاحة القضايا المصيرية: يؤدي طغيان الحوادث الجنائية إلى تغييب النقاشات الحقيقية المتعلقة بالتحولات الاقتصادية، التنمية، الحوكمة، وبناء القدرات، مستبدلاً إياها بجدل لحظي استهلاكي.

خلاصة ورؤية تحليلية
إن تركيز الوسائط الإعلامية اليوم على تصدير الجريمة لا يعكس بالضرورة ارتفاعاً حقيقياً في معدلاتها الإحصائية، بقدر ما يعكس أزمة نموذج العمل الإعلامي وارتهانه لخوارزميات التفاعل التجاري. تتطلب مواجهة هذه الدوامة وعياً نقدياً من المتلقي لفرز المحتوى والتمييز بين ما يضيف قيمة حقيقية للوعي، وبين ما يُصاغ بهدف التربح من إثارة القلق الجمعي.
د. أسماء نجار
باحثة ومحللة اقتصادية
