تطالعنا شاشات الأخبار والمنصات الرقمية العربية يومياً بسيلٍ متدفق من النتائج والرؤى العلمية: “دراسة بريطانية تكشف أثر القلق المزمن على وظائف الدماغ”، “معهد ألماني يرصد التحولات المعرفية في العصر الرقمي”، أو عنوان لافت على شريط الأخبار: “دراسة تكشف: النساء مظلومات حتى في الألم!”.
تتكرر هذه التغطيات حتى استقرت في المشهد الإعلامي لازمةٌ تكاد تصبح مسلّمة بديهية، مفادها أن كل ما يتصل بفهم الإنسان: سلوكه، بيولوجيته العصبية وأنماطه النفسية والمعرفية — هو حكرٌ على المختبر الغربي؛ يُنتج هناك، ويُعاد تدويره واستهلاكه هنا كمادة إعلامية سريعة.
هذا المشهد يفرض تساؤلاً جوهرياً واستراتيجياً: أيعقل أن تغيب مراكز أبحاث علوم الإنسان عن جغرافيتنا العربية؟ أم أن المشكلة أعمق من مجرد “وجود مؤسسة”، وتكمن في انقطاع سلاسل القيمة بين الاقتصاد، البحث العلمي، والإعلام العربي؟
أولاً: أزمة التموضع وحبس المعرفة داخل الأسوار الأكاديمية
المراكز والجامعات العربية ليست غائبة عددياً، بل تزخر بكفاءات وباحثين على قدر عالٍ من التميز، لكن المشكلة تكمن في انفصام المنظومة الوظيفية:
- انحسار النتاج داخل متطلبات الترقية: آلاف الأطروحات ورسائل الماجستير والدكتوراه تُنجز سنوياً، لكنها تظل حبيسة أدراج المكتبات الجامعية. إنها تُكتب غالباً لغرض نيل الدرجة أو الترقية الوظيفية، وتنتهي قيمتها التنفيذية بانتهاء لجنة المناقشة، دون أن تدخل في دورة اقتصاد المعرفة أو تُترجم إلى سياسات واستراتيجيات مجتمعية قابلة للتطبيق.
- غياب الدراسات البينية التجريبية (Interdisciplinary Studies): تاريخياً، اتجهت أغلب مراكز الفكر العربية نحو التحليلات الجيوسياسية، العلاقات الدولية، أو الدراسات التاريخية والفقهية. في المقابل، تشهد “علوم الإنسان المعاصرة” في فضائنا البحثي شحاً كبيراً؛ وهي علوم تقوم بالأساس على تقاطع علم النفس المعرفي التجريبي، العلوم العصبية السلوكية (Cognitive Neuroscience)، واقتصاديات الصحة، وهي حقول تتطلب استثماراً طويل الأمد وبنية تحتية للمختبرات وجمع البيانات الضخمة.
ثانياً: غياب منظومة “التواصل العلمي المؤسسي” (Science Communication)
السر الحقيقي وراء الحضور الطاغي لمؤسسات ومجلات عالمية في غرف الأخبار العربية لا يقتصر على تفوق التجربة المخبرية فحسب، بل في امتلاكها بنية تحتية متطورة للعلاقات العامة والتواصل العلمي:
- تمتلك هذه المراكز مكاتب احترافية تعيد هندسة الأوراق البحثية الجافة المعقدة، فتحولها إلى بيانات صحفية (Press Releases) رشيقة، واضحة، ومكتملة بالرسوم البيانية والاقتباسات الجاهزة التي يسهل على الصحفي التقاطها وتضمينها فوراً في التقارير التلفزيونية والمنصات التفاعلية.
- تُبث هذه المخرجات عبر شبكات عالمية متخصصة ومصممة لخدمة المحررين ووكالات الأنباء، لتصل إلى غرف الأخبار بضغطة زر.
- يجد الصحفي العربي نفسه محكوماً بإيقاع التغطية السريعة واللهاث خلف التفاعل؛ وأمام غياب المادة المحلية الجاهزة وصعوبة التواصل مع باحث عربي يتحدث بلغة أكاديمية مجردة، يصبح خيار نقل الخبر الغربي المترجم هو المسار الأقصر والأقل كلفة تشغيلية.
ثالثاً: مفارقة صانع المعرفة ومُموّلها
المفارقة الكبرى تتجلى عند التدقيق في أسماء الفرق البحثية التي تطلق تلك الدراسات؛ إذ نجد فيها حضوراً بارزاً ومؤثراً لعلماء وباحثين من أصول عربية. هؤلاء وجدوا في الخارج البيئة الحاضنة، الحوكمة البحثية، والاستثمار السخي في البيانات، فخرجت أبحاثهم منسوبة إلى مؤسسات ومختبرات المهجر.
الإنسان العربي حاضر في المختبر الغربي كعقلٍ منتج ومحلل، لكنه مغيب في وطنه كموضوع بحث استراتيجي وكمموّل لمنظومة إنتاج المعرفة.
رابعاً: البعد الاقتصادي المفقود
في الاقتصادات المتقدمة، لا تُعد دراسات علوم الإنسان رفاهية فكرية، بل هي محرك رئيسي للاقتصاد والإنتاجية؛ ففهم السلوك، والأنماط المعرفية، وديناميكيات الصحة النفسية والجسدية هو ما يبني سياسات التأمين الصحي، واستراتيجيات بيئات العمل، وتصميم المنتجات، وترشيد الإنفاق العام.
إن استمرار استيراد دراسات “الإنسان وسلوكه” بنظام النسخ الجاهز ينطوي على مخاطرة منهجية واقتصادية؛ فالدوافع النفسية، والأنماط المعرفية، والمحددات الاجتماعية المرتبطة بالصحة والإنتاجية تختلف باختلاف السياقات الثقافية والبيئية، ولا يمكن إسقاط مخرجات بيئة معينة وتعميمها كمسلمات مطلقة على مجتمعاتنا.
نحو استرداد بوصلة الوعي
المعضلة الحقيقية لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في غياب حلقة الوصل الاقتصادية والتواصلية، وتتطلب معالجتها خطوات متكاملة:
- الانتقال من البحث النظري التجريدي إلى العلوم البينية والتجريبية القائمة على البيانات والأثر الاقتصادي المباشر.
- استثمار مراكز الأبحاث والجامعات في وحدات متخصصة لـ “الإعلام والتواصل العلمي”، تترجم الأوراق البحثية إلى محتوى تفاعلي يصل بسهولة إلى شاشات الإعلام وصناع القرار.
- التعامل مع علوم الإنسان وصحته المعرفية والنفسية كاستثمار استراتيجي واقتصادي يدعم استدامة المجتمعات ونهضتها، بدلاً من الاكتفاء باستيراد وعينا عن أنفسنا من وراء البحار.
د. أسماء النجار
Strategic Health Economist and Researcher
Founder & CEO | MEDSTREAM

